الشنقيطي
190
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أطلق على الجمع أنث . فأطلقه على المفرد مذكرا في قوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) [ يس : 41 - 42 ] . وأطلقه على الجمع مؤنثا في قوله : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [ البقرة : 164 ] . وقوله : مَواخِرَ جمع ماخرة ، وهو اسم فاعل ، مخرت السفينة تمخر - بالفتح - وتمخر - بالضم - مخرا ومخورا : جرت في البحر تشق الماء مع صوت . وقيل : استقبلت الريح في جريتها . والأظهر في قوله وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أنه معطوف على قوله : لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا ولعل هنا للتعليل كما تقدم . والشكر في الشرع : يطلق من العبد لربه ؛ كقوله هنا وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وشكر العبد لربه : هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته . وأما من يستعين بنعم اللّه على معصيته فليس من الشاكرين ؛ وإنما هو كنود كفور . وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن كقوله فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) [ البقرة : 158 ] وقوله إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) [ فاطر : 34 ] : هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) [ 15 - 16 ] . ذكر جل وعلا في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه ، مبينا لهم عظيم منته عليهم بها : الأولى - إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك ، وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن كقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 7 ) [ النبأ : 6 - 7 ] ، وقوله : وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [ الأنبياء : 31 ] الآية ، وقوله : وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ [ المرسلات : 27 ] ، وقوله جل وعلا : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [ لقمان : 10 ] الآية ، وقوله : وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) [ النازعات : 32 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . ومعنى تميد : تميل وتضطرب . وفي معنى قوله ( أن ) وجهان معروفان للعلماء : أحدهما - كراهة أن تميد بكم . والثاني - أن المعنى : لئلا تميد بكم ؛ وهما متقاربان . الثانية - إجراؤه الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله : وَأَنْهاراً وكرر تعالى في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه : كقوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ . . . [ إبراهيم : 32 - 33 ] الآية ، وقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ